احصائيات 2016

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Google AdSense

وداعاً لعالم جليل أسعد القلوب بما تكلم، وأسر العيون بما كتب / بقلم ا. د. هاشم فرحات Print E-mail
العدد 47، سبتمبر 2017

وداعاً لعالم جليل أسعد القلوب بما تكلم، وأسر العيون بما كتب 

 

بقلم

ا. د. هاشم فرحات

الأستاذ بقسم المكتبات والوثائق والمعلومات

 

كم كانت لحظة عصيبة علي حينما تلقيت خبر وفاة أستاذي الجليل الاستاذ الدكتور حشمت قاسم، فحينها شعرت بأن قلبي قد تصدع من هذا الخبر، وأن فؤادي قد تحرق من شدة الألم، وأن عيني قد ابيضت من كثرة الدمع،  لم لا !!،  ونحن نعلم أن فقد العالم وموت العلماء مصيبة من أفجع المصائب، ورزية ترتاع لها القلوب، وأن العلم إنما يقبض بقبض العلماء، يقول الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري: "إن الله لا يأخذ العلم انتزاعا، ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء "،  وزيد في رواية أخرى : "حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"

كذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا" [الآية 41، سورة الرعد] ـ قال: هذا في موت العلماء.

نعم العلماء ـ كل العلماء في علوم الدنيا والدين ـ هم ورثة الأنبياء وقرة عيون الأولياء وأمناء الله في خلقه فهم أنوار العباد ومنارات البلاد وقوام الأمة، بهم تحيا القلوب الحية وتموت القلوب الزائغة، فهم في الأرض كالنجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، بهم يعرف الحق من الباطل،  وبهم تكتشف المغاليق من الأمور، وتتجلى الحقائق من المجاهيل، وتستنبط الأحكام، وتقنن القوانين، ومن خلالهم يمتد العلم ويتناقل بين أبنائه، ولهذا رفع الله ذكرهم وأعلى منزلتهم وبيّن فضلهم وأخبر أن منزلتهم غالية ودرجتهم عند الله عالية، يقول الله سبحانه وتعالى:   يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[ الآية 11، سورة المجادلة]، ويقول تعالي: "  قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ " [ الآية 9، سورة الزمر].

إن حاجتنا إلى العلماء هي فوق كل حاجة، وأن حياتهم غنيمة وموتهم مصيبة، فإذا مات العالم فشا الجهل واندرس العلم وتحير الناس، يقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- "خراب الأرض بموت علمائها وأهل الخير فيها".،  كذلك يقول أبو الدرداء : "موتُ العالم مصيبةٌ لا تُجبَرُ، وثُلمة لا تسدُّ، ونجمٌ طُمِس، وإن موت قبيلة أيسرُ من موت عالم"؛ ذلك أن فقدهم يتبعه ذهاب علم كثير، فما بالكم عندما يكون العالم عالماً له قامته، وأستاذ له مكانته، ومرب له هيبته، كما هو أستاذنا وفقيدنا الدكتور حشمت قاسم.

نعم الموت حق، والفراق أليم، ولكنَّ سلوتَنا في الصبرِ على فِراقِ أستاذنا، هو إيمانُنا بأن الموتَ استدعاءٌ من اللهِ لجميعِ العباد، لا ينجو منه صغيرٌ أو كبيرٌ، ولا غنيٌّ أو فقير، ولا عالمٌ أو جاهل. 

لقد عرفت أستاذي الدكتور حشمت قاسم قبل أن ألقاه، من خلال كتاباته وكتبه، ثم اقتربت منه عندما تفضل بالموافقة على الإشراف على رسالتي للدكتوراه، فأحببته وأكبرته، ثم ازداد قربي منه بعد مناقشة الدكتوراه عندما خصني بالحديث عن رغبته في إصدار مجلة علمية وطلب أن أكون سكرتيرا لها وقد تحققت الرغبة بفضل الله، ثم عرفته أكثر واقتربت منه أكثر وأكثر عندما تجاورنا في المسكن في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وارتبطنا بلقاء شبه يومي كان يجرجرني فيه بين أطراف الحديث عن التخصص وأعماقه، ثم تكلل اللقاء العلمي والاجتماعي بلقاء روحي، وصحبة جميلة لها خصوصيتها، وذلك عندما حججنا بيت الله الحرام سويا مع بعض الزملاء والأصدقاء.

وفي كل وقفة وموقف من هذه الرحلة التي أعتقد أنها امتدت لحوالي ربع قرن من الزمن، كانت تتكشف لي معالم جديدة من شخصية أستاذي، معالم رأيتها متفردة لشخصية العالم والباحث المهموم بتخصصه وقضاياه، ومتفردة لروح المربي الجليل، والأب الحنون، والأخ النصوح، معالم لشخصية عرفت قدرها قبل أن تعرف قدر الناس، معالم شخصية ترفعت عن الدنايا من متاع الدنيا، ولقيط الكلام، وفحش الحديث، وظن السوء، معالم شخصية تتنكر للذات وتعطي بلا حدود، لا تفشي سراً ولا تبدي غيظاً، ولا تفضح نقيصة . 

نعم لقد بدا أستاذناـ رحمه الله ـ حاداً في بعض المواقف !!!، ولكنه كان حاداً في المواقف التي تستلزم الحدة في القول والفعل، حكيما في المواقف التي تستدعي الحكمة والتريث، صبوراً في المواقف التي تدعو للصبر والتريث،  

لقد رأيت في أستاذنا ـ تغمده الله بفيض رحمته ـ أشياء كثيرة ومتفردة يصعب سردها واسترجاعها وتعقبها، لكن الذي أدين به أمام الله ـ سبحانه وتعالى، والذي كان حريصاً على وصايتي به دائماً، هو التأني وعدم العجلة في البحث العلمي، والتقصي المنهجي بغية الوصول إلى الحقائق، والتجرد من التحيز، والنقد المنهجي، والالتزام الأخلاقي، ونقاء الضمير المهني.

حقاً ـ الأستاذ الدكتور حشمت قاسم ـ ملأ القلب والوجدان بأستاذيته وعلمه، وبالرغم من كل ما سيكتب من كلمات، فلن يكون موفيه حقه، ولن يكون معبراً عما نكن له من محبة وتقدير، بل لن تكون هذه الكلمات كافية للكشف عن كوامن شخصيته، فعن أي شيء نتحدث عن شيخنا الجليل؟، هل نتحدث عن مكانه ومكانته في التأليف أم في الترجمة؟، أم نتحدث عن قامته في التدريس؟، أم عن أستاذيته في الإشراف على طلابه ؟، أم عن محاوراته ومداخلاته في المحاضرات والمنتديات العلمية واللقاءات المهنية؟، ناهيك عن أطروحاته ورؤاه حول قضايا التخصص وإشكالاته، وعن قضايا المجتمع العربي ونظامه المعلوماتي بمقوماته وآليات تفعيله، وهل يمكن أن نكتفي بذلك ونتجاهل دراسة مضامين جهوده الفكرية وتأثيرها على كل من كتب وارتبط بتخصص المكتبات وعلم المعلومات باحثاً أو دارساً ومعلماً، ثم أين نحن من الأبعاد اللغوية في نصوص ما كتبت يداه  وسطر قلمه، بل أين نحن من رصانة لغة مؤلفاته، وبلاغة نصها، وجمال عبارتها، ودقة معناها، وكمال مبناها .

أنا على يقين أنه لو قدر لنا أن نغوص بعمق في جوانب شخصية هذا العالم الجليل، سوف يتبين لنا أننا لسنا أمام رجل عادي، بل أمام شخصية عبقرية فذة تسلحت بكل مقومات الفكر والإبداع والثقافة والأدب واللغة، ثم تزينت بمحاسن الأخلاق ورقي الخلق. 

الأستاذ الدكتور حشمت قاسم إذا كنا نخاطبك اليوم بضمير الغائب، فيقيناً أنت حاضر بينا قلبيا ووجدانيا في كل محافلنا ومحاضراتنا ولقائتنا ومنتدياتنا، نعم لقد نهم من علمك الكثيرون، وتربى على كتاباتك الباحثون، وافاد من مؤلفاتك وترجماتك المجتهدون من الباحثين والمتخصصين، وردد أفكارك العديد من المدرسين والمحاضرين، وحتى لو اختلف معك البعض في مواقفك، فإني أشهد أنك اجبرت الجميع على احترامك في ربوع العالم العربي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه،  

أيها العالم الجليل بالرغم من أننا نقول لك وداعاً، إلا أن الوداع مسبوق بقولنا نم هنيئاً في قبرك، وتوسد في كفنك، وأنا على يقين أنك ستتمتع بثواب وأجر ما قدمت لهذا البلد الحبيب، ولهذا التخصص الفريد، ولهذه المهنة الشريفة، لم لا، وقد استودعناك الله بكل كلمة قلتها، وكل حرف سطرته، وكل موقف أديته، استودعنا كل ذلك عند من لم تضع عنده الودائع، ولم تهضم عنده حقوق العباد، أنه الحق العدل، الذي يجازي كلاً بما قدمت خيرا الجزاء، ويعفو عن كثير.

ومن سنة الحياة أننا لن نجد شيئاً نقدمه لفقيدنا يكافئ ما قدم لنا، ويعدل ما تركه لنا، سوى الدعاء له والترحم عليه،فاللهم ارحم أستاذنا الدكتور حشمت قاسم بفيض رحماتك، وأنزل عليه سكناتك، وأفض عليه بخيراتك، وارزقه دار خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، واجزه عنا خير الجزاء، اللهم لا تحرمنا اجره، ولا تفتنا بعده .

وها أنا استعير موقف عبدة بن الطيب عندما قال في وفاة حكيم العرب قيس بن عاصم:

عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ ورحمتُهُ ما شاءَ أن يترحّما

وما كان قيسٌ هُلْكه هُلْكُ واحدٍ، ولكنّـه بُنيانُ قومٍ تهدّمـا

وها أنا أقول بملء في:

عليكَ سلامُ الله (يا ابن قاسم) ورحمتُهُ ما شاءَ أن يترحّما

وما كان فقدك فقد واحد ولكنه بنيان قوم تهدما