احصائيات 2016

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Google AdSense

لرئيس التحرير كلمة / ا. د. هشام عزمي Print E-mail
العدد 47، سبتمبر 2017
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم ... 
 
"يا أيتها النفس المطمئنة .. إرجعي إلى ربك راضية مرضية ... فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي" ... صدق الله العظيم ...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عاليةٌ هي القامة٬ وشامخةٌ هي النفس٬ عظيمةٌ هي الانجازات٬ وعديدةٌ هي المآثر٬ كثيرة هي المناقب٬ وفادحة هي الخسارة. ولعله مما يؤلم النفس أن تكونَ كلمتي الأولى وأنا أشرفُ برئاسة هذا القسم العتيد٬ أن تكون كلمتي هي في رثاء هذا العالم الجليل. لكنها إرادةُ الله الذي لا راد لقضائه٬ إرادةُ الله التي شاءت أن تسترد وديعتها بعد أن أدى الرجلُ الأمانة وترك ـ بتوفيق من الله ـ إرثا علميا قيما ورصيدا معرفيا رصينا٬ أفاد منه الكثيرون وسيظل باقيا وخالدآ في النتاج الفكري لهذا التخصص إلى أن يرث الله ُالأرضَ وماعليها. 
 
نعم٬ فلقد ترك الرجلُ إرثا علميا خالدا بل مدرسةً علميةً٬ تجاوز مداها حدود وطنه لتصل إلى كثير من البلدان العربية٬ في الإمارات وفي السعودية وفي ليبيا٬ أستاذاً وإدارياً ومشرفاً ومؤلفا ومترجماً٬ وكان أن ترك في كل منها بصمةً وعلامةً وأثراً. ولا أدل على ذلك٬ من الحرص الشديد لكثير من الأساتذة الأجلاء من دول عربية شقيقة على المشاركة حفل تأبينه الذي أقيم في رحاب جامعة القاهرة٬ عرفانا منهم بدور الأستاذ الجليل وتقديرا منهم لاسهاماته وتأكيدا للمكانة الأثيرة التي يحتلَها في قلوبِهم. 
 
 وإلى جانب إسهامته العلمية٬ فلقد أرسى الرجلُ قواعد علمية ومنهجية كان حريصا أشد الحرص على ترسيخها لدى تلاميذه ومريديه. وكان ـ رحمه الله ـ عنيدا في الحق٬ صلدا في الدفاع عنه ولا يخشى فيه لومة لائم. قد يكون البعض قد اختلف معه٬ ولكن لم يختلف الجميع ـ نعم الجميع ـ على احترامه وتقديره وتوقيره. 
 
وفي عُجالة كهذه٬ تتضائلُ الكلمات وتتوارى الحروف ويجفُ مِداد القلم٬ فكلُها تعلم أنها لن تعطي عالمنا الجليل حقة ولن توفيه قدرهَ بل هي محاولةٌ متواضعة لتسجيل بعض الومضات واسترجاع بعض الذكريات التي شرفت فيها بصحبة العالم الجليل ومعيته. 
 
تعود بي الذاكرةُ إلي تلك الأيام البعيدة إلى خريف عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين ٬ عندما كنت أخطو خُطواتي الأولى في هذا القسم العتيد طالبا بالفرقة الثانية٬ ليجمعني بالأستاذ الجليل في إحدى الحاضرات حوارٌ علمي كان فيه مشجعا ومحفزا٬ وأشعرني هو فيه أنني ندا٬ على الرغم من علمهِ وعلمي بمحدودية قدراتي العلمية حينها مقارنة بقيمة أستاذي الجليل وقامته. لكن الرجل كان يضرب مثلاً للأستاذِ في أبهى حُلله٬  والعالمِ في أرقى نماذجهَ٬ والأخِ في أنبلِ صوره. 
 
لقد تعلمت من أستاذي الجليل الكثير على مدى سنوات طوال٬ فلقد جلست إليه طالبا في تمهيدي الماجستير في بداية ثمانينيات القرن الماضي ليكون ما تعلمت منه ـ هو تحديدآ ـ خير مُعين لي في دراستي للماجستير ببريطانيا بعدها بسنوات قليلة. 
 
وتجري في البحر مياهُ كثيرة٬ وتمر سنوات لأشرفَ باختيار أستاذي الجليل لي لمرافقته في رحلة إلى طرابلس الغرب في منتصف التسعينيات لتقديم دورة تدريبية في الهيئة الوطنية للتوثيق والمعلومات لمدة أسبوعين سعدت فيها بصحبتهِ ورفقتهِ والاستماعِ إليه . وجمعتنا خلال الرحلة أحاديثٌ طويلة وتطرقنا لهموم التخصص الذي كان هو أحد أعمدته ورواده٬ كما تطرقنا إلى أحاديث في مناح شتى . كنا لا نفترقَ سوى عند ساعات النوم٬ لاكتشف كثيرا من جوانب كانت خافية وأهمها بُعدا إنسانيا لافتا كان يختفي دوما وراء ستار الصرامة والجدية التي عُرف بهما. 
 
وتمر سنوات عديدة٬ لأشرف بوجوده ضمن لجنة ترقيتي لدرجة الأستاذية. ولن أنسى مدى سعادتي وفخري حين جاء صوته عبر الهاتف مُهنئا وقائلا" لقد سعدت بما قرأت من إنتاج علمي متميز " فلقد كانت شهادته مصدر فخر وفخار ـ بل هي وسام ـ لمن عرفه. 
 
لقد تعلمت من أستاذي الكثير والكثير. لكن يبقى أهم ما تعلمت٬ أنه لا مجال لمهادنة ولامواءمة ولا مجاملة٬ نعم لا مهادنة ولا مواءمة ولا مجاملة في العلم. تعلمت المعنى الحقيقي للاحترام والاعتداد بالنفس والجدية ووأنها أهم الأسلحة وأمضاها في محراب العلم والمعرفة. 
 
لقد فقد تخصص المكتبات والمعلومات علما من أعلامه ورائدا من رواده ورمزا من رموزه. فخالص العزاء لأسرته الكريمة وخالص العزاء لأسرته الكبيرة من اختصاصي المكتبات والمعلومات في مصر وفي العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. 
 
وداعا للأستاذ المحترم٬ وداعا للعالم الجليل٬ وداعا للباحث الرصين٬ وداعا للأستاذ الدكتور حشمت قاسم.
 
رحم الله أستاذي الجليل رحمة واسعة قدر ما أعطى وقدر ما قدم للتخصص ولطلابه ولبلده ولوطنه العربي وهو كثير!
 
إنا لله وإنا إليه راجعون
 
رئيس التحرير
ا. د. هشام عزمي